رحلة استراتيجية في ممرات بيت الثقافة
بيت الثقافة ليس مجرد بيت
١٢ رمضان ١٤٤٧ هـ
•
تحليلات استراتيجية

في سابق العقود وزمن ما قبل التقنية كانت القوى العظمى تصنف وفق ترساناتها العسكرية وما تمتلكه من قوى تدميرية رادعة والحرب الباردة على ذلك أقرب مثال.
ولكن اليوم أصبحت القوى العظمى في العالم تقاس بمدى صادراتها الثقافية والمعرفية وتأثيرها السياسي والاقتصادي أكثر من القوى العسكرية بمراحل كبيرة.
وبالنظر للتحولات الاستراتيجية التي تمت ويتتم في المملكة منذ إطلاق رؤية الوطن الطموح 2030 لن يخفى على أي شخص بأن المملكة العربية السعودية في مصاف الدول العالمية بصادراتها الثقافية والمعرفية ووزنها الاقتصادي والسياسي ولكن لنركز قليلاً على الصادرات الثقافية والمعرفية بالدرجة الأولى والثقل الاقتصادي المهيب للمملكة بالدرجة الثانية في هذا المقال.
وحملت وزارة الثقافة على عاتقها مسؤولية ماذكرناه في الأعلى منذ تأسيسها بموجب أمر ملكي في شهر يونيو من العام 2018 برسالة وهدف ورؤية واضحة:
"تعزيز الهوية الثقافية للمواطن السعودي وزيادة الصادرات الثقافية والمعرفية من المملكة إلى العالم"
وإني لأرى أنه من أهم ما أطلقت وزارة الثقافة من مبادرات لتحقيق هذه الرؤية هو بيت الثقافة.
افتتح بيت الثقافة لأول مرة في المملكة في مدينتي الحبيبة الدمام في شهر مايو من العام الماضي 2024 كبيت جامع لكافة شرائح المجتمع لما فيه من خدمات ومرافق وأنشطة فعالة وثرية ليكون وجهة ترفيهية، ثقافية، اجتماعية، سياحية، علمية وعملية.
بيت الثقافة ليس مجرد مكتبة عامة عابرة بل هو صرح ذو أثر عميق يلعب دوراً هاماً في تأصيل الهوية الثقافية والمعرفية للمملكة من خلال التأثير في نسيج المجتمع السعودي من خلال ثلاثة أعمدة رئيسية يسهمون بشكلٍ مباشر في تحقيق محاور رؤية 2030 (وطن طموح - مجتمع حيوي - اقتصاد مزدهر) وهما:
• الأثر الثقافي:
يساهم وجود صرح كبيت الثقافة في تأصيل الهوية الثقافية والإرث التاريخي والعلمي الكبير لأرض المملكة العربية السعودية في هوية كل مواطن سعودي من خلال استخدام لغة هذا العصر (الترفيه - التجربة الاجتماعية الدافئة). حيث أن بيت الثقافة لا يقدم ثقافة المملكة وإرثها التاريخي والمعرفي بطريقة متحفية مملة ولا بقالب أكاديمي يجعل الناظرين يتذكرون مواعيد نومهم، بل بأسلوب ترفيهي واجتماعي معاصر كماسحة تلاقي فكري وثقافي يومية أكثر من كونها تجربة عابرة نعيشها لمرة وننساها.
أنا شخصياً أحب استغلال مساحات بيت الثقافة في العمل الهادئ والتركيز العالي بشكل مستمر خلال الأسبوع بل وأحيانا في عقد الاجتماعات والجلسات، ومن خلال نشاطي هذا ألاحظ مشهداً سينمائياً على شاشة الحياة الجميلة فأرى الطفل والصغير والكبير يتوجلون في مساحاته، الموظف ورائد الأعمال والطالب يعملون ويدرسون على مكاتبه، القارئ والكاتب والمتأمل يجلسون على مقاعده يستمتعون بصنيعهم هذا، والأكاديمي والفيلسوف يتناقشون في أروقته، بل وحتى مجموعة الأصدقاء الذين اتفقوا على الاستمتاع بوقتهم تراهم يزورون مقهاه ويتجولون في ساحاته وبين أرفف الكتب !
مشهد اجتماعي يضاهي في جماله جمال آخر قطرات القهوة الصباحية على اللسان. والأمر يتعاظم أكثر من كونه مجرد مشهد اجتماعي عابر، بل يمتد ليخلق أثراً يعبر عن التوازن والانسجام المعرفي والقافي بين جميع شرائح المجتمع ويعزز قيم البذل والعطاء والمشاركة المعرفية والمبادرة المجتمعية بتوفير مساحات ممتازة لأصحاب الكفاءة والمعرفة والفكر لمشاركة ما أنعم الله به عليهم مع المجتمع لتنمية القدرات وتنشأة كفاءات واعدة ونشر فكر ثقافي ومعرفي عظيم من خلال البرامج المقدمة
• المرآة السياحية:
كل سائح يزور أرض المملكة بكل تأكيد سيكون هدفه التعرف على الإرث الثقافي والمعرفي والتاريخي للمملكة وبهذا يكون بيت الثقافة الوجهة الأمثل لذلك بما يحويه من مرافق ومراجع ويقدمه من برامج تسهم في رسم الصورة الثقافية والتاريخية المكتملة بالشكل الصحيح عن المملكة في عقول زوارنا من الدول الأجنبية.
• الأثر الاقتصادي:
هذا ما يغفله الكثيرون... عندما أتحدث مع أي شخص عن بيت الثقافة يحصره في قالب ثقافي بحت "مشكلة تموضع" ولكن الحقيقة بأن بيت الثقافة له آثار اقتصادية عظيمة لا يمكن أن نبخسه حقها، فناهيك عن الفرص الاستثمارية والوظائف التي تفتح أبوابها مع كل بيت ثقافة جديد يتم افتتاحه في أحد مدن المملكة، البيئة الريادية والموارد العظيمة التي يوفرها بيت الثقافة لرواد الأعمال تساهم بشكل مباشر في تنمية البيئة الريادية العامة في المملكة، فبداية من توفير مساحات عمل توفر مبالغ لا تقل عن ٤٠ ألف ريال سنوياً كإيجار لمكتب ما في حال كنت شركة ناشئة صغيرة أو رائد أعمال فردي، ومروراً إلى تكوين علاقات مهنية ممتازة مع من يتواجدون في بيت الثقافة العامر بأهله، ووصولاً إلى توفير بيئة حاضنة لذوي المهارات والكفاءات (الكتاب - الفنانين - المبدعين - إلخ…) لممارسة أنشطتهم ومشاركتها مع ذوي الاهتمام مما يفتح لهم آفاق جديدة، كما ويجب زن نتحدث عن تحفيز السياحة الثقافية لزوار المملكة من الدولة الأجنبية.
وكل ما ذكرنا في جانب، وما سأذكره الان هو جانب عظيم. بيت الثقافة هو أصل ثقافي هام (رأس مال ثقافي Cultural Capital) يتخطى أثره الاقتصادي يومنا هذا إلى الأجيال القادمة، فذاك الطفل الذي تمت تنشأته تنشأة ثقافية ومعرفية سليمة في أروقة ومرافق بيت الثقافة سيكون بعد أعوام قائداً لاقتصاد مملكتنا الحبيبة وصاحب كفاءة وفكر وعلم نفتخر به جميعاً، باختصار وجود بيت الثقافة هو استثمار طويل المدى في المواهب الواعدة بهوية ثقافية قوية ومعرفة عالية.
الخلاصة:
"بيت الثقافة بيئة حاضنة متكاملة وأثر استراتيجي وليس مجرد مساحة جغرافية عابرة".
