عندما تتفوق جملة على استراتيجية من مئة صفحة
"لا صفقات سلاح بلا محتوى محلي"
٢٦ رمضان ١٤٤٧ هـ
•
تحليلات استراتيجية

"لا صفقات سلاح بلا محتوى محلي"
جملة قالها سمو سيدي ولي العهد رئيس الوزراء محمد بن سلمان آل سعود وهي جملة تعادل وثيقة استراتيجية كاملة.
هذه الجملة ليست تصريحاً تفاوضياً وحسب، بل هي استراتيجية تحول معادلة القوة الاقتصادية وتعيد هيكلة المنطق التفاوضي والعرض والطلب في قطاع الصناعات الدفاعية في العالم بأسره وليس فقط في المملكة العربية السعودية.
منذ فجر التاريخ كانت الدول العظمى تقاس بقوة تسليحها وقدرتها على تصنيع السلاح، والمنطق التفاوضي الذي تكتسبه الدول هذه المصنعة للسلاح لا يقاس فقط بحجم الصفقة التي تبرمها شركات الصناعات العسكرية مع الدول المستوردة… بل في العوائد المهولة اقتصادياً التي ترافق هذه الصفقات.
عمليات التصنيع الدفاعي ليست كما تتصوره من بساطة "شركة تصنع سلاحاً وتبيعه" فشركات الصناعات العسكرية الكبرى مثل Lockheed martin وغيرها تلعب دور "المجمع" وليس المصنع وتترك الجزء الأكبر من عمليات التصنيع منخفضة الأهمية والسرية لمنشآت وتكتلات أصغر.
ماذا يعني هذا ؟
يعني ذلك أن كل صفقة تسليح جديدة تساوي دورة حياة اقتصادية متكاملة داخل البلد المصدر للسلاح؛ مصانع تعمل، رواتب تدفع، مواد خام تُشترى وتُباع وأموال يعاد تدويرها واستثمارها داخل الاقتصاد المحلي. وقس على ذلك المزيد والمزيد…
وبالنسبة للمملكة ؟
خلال ١٠ أعوام منذ الإعلان عن رؤية المملكة ٢٠٣٠ وحتى الآن بلغ إجمالي الإنفاق الدفاعي للمملكة أكثر من ٦٧٠ مليار دولار مما يضعها بين أعلى ١٠ دول في العالم في معدل الإنفاق الدفاعي فما تأثير جملة سمو سيدي على المنطق الاقتصادي لهذا الإنفاق الدفاعي المهول ؟
مع إطلاق رؤية المملكة ٢٠٣٠ كانت نسبة توطين الصناعات العسكرية والدفاعية في المملكة لا تكاد تتجاوز ٢٪ من حجم الإنفاق الدفاعي الإجمالي، وهذا يعني خروج هذا الكم الهائل من الأموال دون فائدة اقتصادية تذكر للمملكة !
ولكن اليوم وبعد ماقاله سمو سيدي "لا صفقات سلاح بلا محتوى محلي" تحول الوضع من تصدير الأموال مقابل استيراد السلاح إلى استيراد السلاح والدورة الاقتصادية المرافقة لعملية تصنيعه وتصديره وتنمية الخبرات والكفاءات من المهندسين السعوديين في هذا القطاع، حيث نرى أثر ذلك على هيئة نمو كبير من ٢٪ في توطين الصناعات الدفاعية إلى أكثر من ٢٤٪ بنهاية عام ٢٠٢٤ ولا تزال المملكة تستهدف الوصول ل٥٠٪ بحلول عام ٢٠٣٠ ونمو المنشآت المرخصة للعمل في قطاع الصناعات الدفاعية من ٥ منشآت عام ٢٠١٩ إلى أكثر من ٢٩٦ منشأة.
اليوم أصبحت الشركات الأجنبية المصنعة للسلاح تدق أبواب الشركات المحلية باباً تلو الآخر لتنال رضى مملكتنا الحبيبة وتفوز بعقود التوريد الدفاعي، فالشركات والدول التي لا ترضخ لإرادة المملكة بكل بساطة ستخسر أكثر مما ستكسب، البديل موجود… وشروط المملكة لا تنازل عنها.
جملة واحدة يا عزيزي بوثيقة استراتيجية بعشرات الصفحات.
جملة واحدة ياعزيزي أعادت تصميم المنطق الاقتصادي لصفقات السلاح.
جملة واحدة أبقت على مليارات الريالات داخل الاقتصاد المحلي.
جملة واحدة غيرت الموقف التفاوضي من مستورد إلى مستثمر.
جملة واحدة غيرت حياة العديد من أفراد المجتمع السعودي من أصحاب منشآت صناعية وموظفين ومستثمرين وأصحاب الكفاءات في المجال.
الاستراتيجيات الأعلى تأثيراً لا تقاس بعدد صفحاتها، بل ببساطتها وتأثيرها وانعكاساتها.
حفظ الله مملكتنا الحبيبة الغالية من كل شرٍ وسوء ووفق ولاة أمرنا وأعانهم وحفظهم من كُل مكروه 🤲🏻💚
